كلنا محبي نشيد
اهلا وسهلا
تواصلكم يزيدنا بهجة
نور المنتدى بوجود الاحبة
سجل معنا واكسب حسناتك
سجل معنا وانسى همومك
يلااا لا تتردد

كلنا محبي نشيد

الى محبي النشيد الى محبي الفن الراقي والمميز
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رواية لم يموت الحلم ج2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الــــوفــا طبعـــي
كبار الشخصيات
كبار الشخصيات
avatar

فلسطين








انثى
دعاء : اللهم ارحمنا
عدد المساهمات : 2122
نقاط : 2342
تاريخ الميلاد : 14/04/1996
تاريخ التسجيل : 30/06/2012
العمر : 21
الموقع : كلنا نحب النشيد
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: رواية لم يموت الحلم ج2   السبت فبراير 09, 2013 4:33 am

الجزء الثانى من رواية

لن يموت الحلم
تأليف
رأفت حمدونة

وجديته ورجاحة عقله ولكنه يبقى ضعيف أمام (أم أشرف) التي لم تعطه الفرصة الاجتماعية وفق العادات للتقرب منه أكثر وبقيت علاقة (رائد) محصورة بخطيبته (رندة) التي كانت تنسيه المحيط عند كل زيارة لبيتهم.
لم يترك (رائد) أباه وحيداً يصارع الحياة لينفق على البيت وطالبين في الجامعة بل وقف بجانبه وسانده وكان ينفق مع أخيه (خالد) الذي كان أيضاً يسترزق من تهريب البضاعة المصرية من ملابس وأغذية إلى قطاع غزة وكان الحاج (أبو خالد) يتحسس من تهريب أي شيء غير شرعي ودائم الخشية لله عز وجل.
أطلع (إبراهيم) الدكتور (عطية) على الخطة التي رسمتها المجموعة وحدد له مطالبهم فوافقهم ووعد (إبراهيم) بتأمينها لهم بعد يومين.. لم تمر الساعات سهلة على (رائد) وصاحبيه فكان دائم الحلم بهذا اليوم الذي تمناه وفي اليوم المحدد وقبل ساعات من تنفيذ العملية ذهب (إبراهيم) لمكتب الدكتور (عطية) وسلمه رسالة ودعا له بالتوفيق، قصد (إبراهيم) صاحبه (رائد) ليرى فحوى الرسالة ودعا الله أن لا تكون رسالة اعتذار وخاصة أن النفوس مشحونة والاستعداد للعملية بلغ الذروة، أسرع (رائد) نحو (إبراهيم) منذ أن رآه من بعيد وبدت عليه علامات القلق وبصوت منخفض سأله:
- طمئني يا (إبراهيم).. ماذا حدث معك؟ لا تقل لي الأمر غير ممكن.
- صدقني لا أعرف الجواب لأنني لم أتسلم إلا رسالة جئت إليك لمعرفة ما بداخلها.
أخرج (إبراهيم) الرسالة من جيبه وبدأ بقراتها:
" بسم الله الرحمن الرحيم، وفقكم الله وحماكم ورعاكم.. إياكم أن تنسوا نية الإخلاص لله ثم للوطن، توجهوا لشارع عمر المختار ـ للشارع الغربي ـ من منتزه البلدية وستجدون فيه سيارة من نوع (بيجو) أعلى دولابها تحت السائق يوجد مفتاح وفيها ستجدون خمسة قنابل يدوية وبندقيتين رشاشة مع عدد من المخازن وكاميرا فيديو لتصوير العملية ومبلغ من المال ستحتاجونه مستقبلاً وبعد تنفيذ العملية نتمنى أن تكون بنجاح وسلامة لكم، توضع السيارة بالمرآب الشرقي لمكتب الوكالة بمخيم الشاطئ.. بالتوفيق وعلى بركة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
نظر (رائد) إلى (إبراهيم) وسأله:
- من يضمن أن فحوى الرسالة واقع؟ أو أن السيارة غير مراقبة؟ علينا أن نأخذ حذرنا وأفضل أن أذهب وحدي.. على أن تراقبني من بعيد لئلا يحصل لا سمح الله لكلينا.
قاطعه (إبراهيم):
- ولماذا أنت؟
- لا يوجد وقت للمجادلة.. حتى لا يداهمنا الوقت.
في تلك اللحظة قابلهم (رفعت) وفق موعد اتفقوا عليه مسبقاً.. ذهب (رائد) إلى المكان ووجد السيارة والمفاتيح في المكان فتفقد السيارة وقام بتفتيشها، فوجد كل ما تم ذكره في الرسالة ثم قاد السيارة واصطحب رفيقيه للاتفاق على أدق تفاصيل العملية قبل القيام بها لأن أي خلل في التنفيذ قد يودي بحياة المجموعة.. وعند اكتمال كل شروط النجاح والأخذ بأسبابه توجه الثلاثة إلى المسجد وصلوا ودعوا الله وتوكلوا عليه.
قاد (رفعت) السيارة وكانت عليه مهمة تصوير العملية واليقظة الكاملة للانسحاب من موقع العملية في الوقت المناسب، وصل الثلاثة للحاجز الذي بدا خالياً من المارة وفق المراقبة.. فتناول (إبراهيم) قنبلتين وفاجأ بهما الجنود الذين نزلوا إلى الأرض وحينها امتشق (رائد) سلاحه وسدد رميته إلى جنود الاحتلال الذين تعالت أصواتهم رعباً ورهبة وجبنًا، فأصابوا وقتلوا عدداً منهم.
انسحب (رفعت) من المكان باتجاه شارع فرعي بعيداً عن العين وبدأ الرصاص يتطاير من بنادق الجيش في كل الاتجاهات، كانت عملية عسكرية موفقة بكل المقاييس وألحقت بالجيش خسائر فادحة فأفقدته ثقته بنفسه وأمنه وحطت من مستواه في نظر المقاومة والناس، فأصبحت العملية حديثهم في العمل والسوق والجامعة وأثنوا على منفذي العملية ودعوا لهم بالسلامة.
وضع المجاهدون الثلاثة السيارة في المكان المذكور بما تبقى بها من وسائل القتال.. وعاد الجميع إلى بيوتهم بعد أن باركوا لبعضهم بالنجاح.
شعر (رائد) بالسعادة والفخر كلما تخيل الموقع الذي تحول لكومة من الحديد المتطاير وأحس بعزة النفس والكرامة.. انتبه لصوت أبيه فأسرع متوجهاً نحوه وسأله:
- أعطني الترانزوستر يا بني فسلمت أيادي المقاومة التي نفذت عملية الحاجز هذا المساء.
اعترف العدو الإسرائيلي عبر إذاعته الموجهة باللغة العربية بمقتل اثنين من جنوده وإصابة ثلاثة أخرين بجروح متوسطة وتوعدت باعتقال منفذيها معتبرة إياهم الأخطر من بين المقاومين.
في صباح اليوم التالي التقى (رائد) بخطيبته (رندة) التي أظهرت فرحها بمصير الحاجز الذي أهانها وتسبب بكسر وجرح (رائد) ولكنها لم تفكر لحظة أن من نفذ العملية هو (رائد) وكانت البداية به لأجلها.
لم تتوقف أعمال المقاومة في كل فلسطين، فالانتفاضة أوجدت جيلاً ثائراً يتطلع للحرية والاستقلال.
تم بث صور العملية البطولية في محطات التلفاز وأشهدت العالم على عزة الشعب الفلسطيني وجبن أسطورة الجيش الذي لا يقهر وأشاد الدكتور (عطية) بالمجموعة التي أثبتت للعالم أن شعب يملك هذه الإرادة لا يمكن أن ينكسر، وعلى أثر نجاح العملية تمنى معظم الشباب فلسطين لو كان لهم شرف المشاركة في أعمال المقاومة العسكرية وكانت الآلاف تبحث عن عنوان ليستوعبها لولا قلة الإمكانيات وندرة السلاح.
طلب (رائد) اجتماعاً آخر للتخطيط لعملية ثانية حدد هدفها، وحينما تشاور (إبراهيم) مع الدكتور عطية وافقه على التخطيط دون التنفيذ في هذه الأيام التي استنفرت فيها أجهزة المخابرات لمعرفة منفذي عملية الحاجز.
فلقد كان هدف (رائد) قطعان المستوطنين والجيش الذي يحميهم، الذين استوطنوا ما يقارب من نصف قطاع غزة في أفضل مناطقه وأخذوا حريتهم في التنقل والعيش على حساب مئات آلاف اللاجئين في ثماني مخيمات قسمتها الحواجز ونقاط التفتيش فتم التخطيط لعملية إطلاق نار دقيقة على طريق المستوطنات، أوكل الدكتور عطية تنفيذها لمجموعة مقاومة عسكرية أخرى لم تكن أقل حماساً من مجموعة (إبراهيم) و(رائد) و(رفعت).
تدفق الشباب مجموعات.. مجموعات.. للمشاركة في الانتفاضة الأولى، ولأن التنظيمات كانت أقل قدرة على استيعاب هذا العدد الهائل منهم فاجتهدوا بكل الوسائل لمقاومة الاحتلال التي تنوعت على إثر أحداث قاسية كمذبحة الأقصى التي أسفرت عن استشهاد ما يزيد عن عشرين شهيداً بباحته في الثامن من أكتوبر فقدم المخلصون والصادقون دماءهم رخيصة في سبيل الله.
في منتصف الانتفاضة أنهى (رائد) و(رفعت) و(إبراهيم) تعليمهم وتخرجوا من الجامعة، وبقي (إبراهيم) على تواصل مع الدكتور عطية، وتواصلت بهمتهم وشرفاء فلسطين العمليات البطولية التي أقلقت مضاجع الصهاينة في كل مكان، وأثناء الانسحاب من عملية قام بها (رائد) ورفيقيه واختلاطهم بالمارة تعرف عليه زياد الذي كان صديقاً لـ(أشرف)، وكان صادقاً في توجهه لـ(أشرف) ليتوسط له بالعمل مع نسيبه في المقاومة.
لم يصدق (أشرف) ما سمعه من زياد، فمسكه بقوة من قبضة قميصه وهزه بعنف:
- قد تكون أخطأت التقدير يا زياد ففكر في الأمر جيداً.
قبض زياد على يدي (أشرف) بقوة وألقاها جانباً وأجابه:
- أنا لا أقدر ولا أتكهن فقد رأيت (رائد) بعيني مسرعاً بعد تنفيذ عملية استهدفت سيارة عسكرية، واستقل سيارة برفقة آخر.
ظن (أشرف) أن (رندة) على علم بنشاط خطيبها (رائد) فتوجه لها لتأكيد الخبر ن ففوجئت بما سمعت ولم تنكر عليه فعله إذا ما كان صحيحاً وسألها:
- إذا ما تأكد لك أن (رائد) أحد رجال المقاومة وقد يُقتل أو يُسجن أو يُطارد فهل ستواصلين خطبتك به؟
نظرت (رندة) لأخيها بنظرات كلها ثبات وفخر وابتسمت ابتسامة سخرية وردت:
- وهل ترى في عمل المقاومة ما يعيب؟
خفض (أشرف) رأسه وأجاب:
- لا أقصد يا (رندة) ولكن أي فتاة تبحث عن استقرارها وسعادتها!
- إذا كان الكل سيبحث عن سعادته واستقراره فمن أين سنحضر فلسطين من سيبحث عنها واستقلالها وعزة أهلها وكرامتهم، وأي سعادة تلك التي سنشعر بها وسط هذا الإذلال الذي يفرضه علينا الاحتلال. بئست السعادة تلك يا أخي فإن آثرت أنت بسعادتك فعلى الأقل أترك غيرك يتحملون عبء تحقيقها لك دون أن تحاكمهم ليس إلا لأنهم شرفاء وأوفياء وفدائيين ومضحين ويوهبون أرواحهم وراحتهم وزهرات أعمارهم من أجلك وأجل غيرك، وإن تأكد ما تقول فـ(رائد) أقرب إلى فلبي وعقلي من قبل، وأتمنى أن يحقق لنا أمثاله نصراً بعزائمهم.
التقت (رندة) بـ(رائد) فقرأ في عينيها كلاماً وسألها:
- ما بك يا (رندة)؟
- لن أتدخل في أمور أعتقد أن من الخطأ الاستفسار عنها، ولن ألومك على شيء أعتقد أنا بصوابه، ولن أحملك هماً، هنالك ما هو أهم منه، ولكن خوفي عليك يجبرني أن أحذرك فهنالك من رآك وأنت تنسحب بعد تنفيذ عملية عسكرية ووصل الخبر لأخي (أشرف) الذي حذرته من إبلاغ والدتي التي ستقيم الدنيا وتقعدها حتى ننفصل.
بدا على (رائد) التوتر وقرأ ت (رندة) في قسمات وجهه تأكيد الخبر الذي وصلها أرادت الاستئذان بتركه فأوقفها مستفسراً:
- وما رأيك أنتِ؟
قلبت (رندة) أصابعها وبهدوء مع رضا أجابته:
- دير بالك على نفسك يا (رائد)، وفقك الله وحماك من كل سوء.
مرض والد (غريب) بمرض أقعده في الفراش وحينما ساءت حالته وشعر بخطر الموت طلب رؤية ابنه (غريب) الوحيد فاتصل (أشرف) بابن خالته واستدعاه قبل إنهاء دراسته بفصل واحد، كان (غريب) يحب والده الذي لم يحرمه من شيء طوال حياته ولم يجد أي مبرر للتأخر عن الحضور ولو بقي لآخر امتحان في جامعته إلا يوم واحد. وعلى جناح السرعة وصل (غريب) لرفح لكنه لم يلحق حياة أبوه فودعه في موته وقام بواجب الجنازة.
كان (أشرف) الأقرب إلى (غريب) في محنته، فوقف بجانبه وجانب خالته التي فقدت زوجها وتنتظر فراق وحيدها الذي بات يستعد للسفر، وفي أيام وداع (غريب) الأخيرة لم يفارقه (أشرف) طوال الليل ومعظم النهار فيشكوان همومهما ويتصارحان مع بعضهما البعض، لم يشأ (غريب) إحراج صديقه بالسؤال عن (رندة) التي فقدها فأشعل سيجارة وحتى يعرف أخبارها سأل (أشرف) عن صهره (رائد)، تنهد (أشرف) وبدا عليه تفضيل السكوت.
شعر (غريب) من حركات (أشرف) تهربه من الإجابة فسأله:
- لماذا تسكت يا (أشرف) أهناك شيء تحبذ عدم التطرق إليه؟
- كلا..، فأنت أخي ولا شيء يخفى عليك، وبصراحة أنا قلق على مستقبل (رندة) التي فضلت الارتباط مع إنسان يحمل روحه على كفه، (رائد) فدائي يعمل في المقاومة يا (غريب) وله يد في العمليات العسكرية التي أفقدت الجيش وأجهزة مخابراته الصواب في الفترة الأخيرة.
- ماذا تقول يا (أشرف)؟
- ما سعت يا صديقي ولو علمت أمي بهذا الموضوع الذي أخفيه عنها لأجبرت (رندة) على الانفصال عنه.
اشتدت المقاومة في الانتفاضة وتوالت الضربات وتصاعدت حدتها ولكن لابد من حل لمعضلة عدم كفاية السلاح للحد الأدنى من حاجة المقاومة. الأمر الذي جعلها من أولويات التفكير في حياة (رائد) الذي طلب لقاء (إبراهيم).
- لن أسألك عن القيادة ولكني أستفسر منك عن حدود توسعهم وإمكانياتهم، وإن كان لديهم القدرة على تدبير شحنة من السلاح والذخيرة وإيصالها لرفح المصرية، سأجد حلاً لدخولها إلى غزة.
- كل علمي يا (رائد) أن لا مشكلة في المال والسلاح والنقل حتى رفح المصرية، ولكن المشكلة في نقاط المراقبة بحراً وبراً لجنود الاحتلال، وكما تعلم أن العشرات استشهدوا أثناء تهريبها، وفي كل الأحوال سأحضر لك رداً سريعاً.
اجتمع (إبراهيم) مع الدكتور عطية الذي لم يصدق ما سمع وطمئنه بقدرته على طلب (رائد)، ولو تطلب الأمر سفرية خاصة إلى مصر للاجتماع بممثلية المقاومة هناك، وأوصى (إبراهيم) بعدم الاستفسار عن وسيلته مستكفياً بالثقة والقدرة التي أظهرها (رائد) في الأشهر السابقة.
حضر (إبراهيم) لـ(رائد) يحمل بشرى الموافقة على طلبه، وطلب منه خطة مقنعة ودقيقة لعرضها على القيادة للموافقة على تنفيذ عملية تهريب ستكلف مبالغ وإمكانيات ضخمة في حال فشلها لا سمح الله.
استوعب (رائد) حديث صديقه ولم يعاتبه بل ابتسم في وجهه وقال:
- ولكن نجاح العملية بمثابة نجاح الانتفاضة، ونصر لرجالها، وستقبل أسود على الصهاينة والاحتلال وحماية لروح الشباب الثائر بأقل الإمكانات لعدم توفر السلاح حباً في الجهاد والشهادة، اطمئن يا (إبراهيم) وستجد مني ما يسرك إلا إذا فقدت الثقة بصديقك.
ضحك (إبراهيم) وقال:
- على العكس فكل يوم ثقتي والقيادة بك تزيد أكثر وأكثر ولكن لترتيب أمورنا فلا تطيل علينا بالخطة على الأقل بواجبنا فيها.
كانت أول الخطوات في خطة (رائد) موافقة والده لترتيب مع أخيه (خالد)، على الجانب الآخر من السلك، ولكن على يقين بأن أباه حر ويحمل في قلبه كرهاً للاحتلال ما يجعله يضحي لتلقينه درساً لن ينسوه، لأنه لم ينسى لحظة من لحظات الهجرة وعذابات الطرد بالقوة واغتصاب الأرض والرحيل عن مسقط الرأس، ومئات الشهداء وآلاف الجرحى ومئات الآلاف من المشتتين خارج فلسطين.
دخل (رائد) البيت فوجد أباه على غير عادته عابساً وغاضباً، جبهته مليئة بالخطوط العريضة على أعلى حاجباه الكثة بالشعر الطويل الأبيض حتى كاد أن يصل عيناه فألقى السلام فأجابه:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
- ما بك يا حاج؟
- أشعر بحر الصيف كالهبو يحرق وجهي، ولا أكاد أتحمل الهدمة على جسدي أو وضع المشاية تحت قدمي التي باتت أقل قدرة على حملي.
حينها حضرت الحاجة وبيدها طعام الغداء للحاج، فنظر إليه تارة ثم إلى وجه أم (خالد) متظاهراً بعدم الرضا لمخالفته وعاتبها:
- كم مرة قلت لك أحب أن آكل الملاحة (الفتوش ) من السلطانية مباشرة أم أنك تمدنت على كبر ونسيت الدكان والهندية وتنباك أبوك وأصبحت تحضرين لنا الطعام بصحون زجاج ولا أستبعد غداً تقديم التنبو مع الطعام أمك يا (رائد) قلعت ثوبها وصارت من نساء البندر.
تظاهرت الحاجة بعدم الرضا فتمتمت بكلمات غير مفهومة ولوت عنقها وذهبت دون أن تنبس ببنت شفه.. ضحك (رائد) من هذا المشهد التقليدي المتكرر أمام ناظريه منذ أن خلق على وجه الأرض، وكان يعلم أن هذه الحالة لن تطول ساعة واحدة ويجد والديه على أفضل حال من التفاهم مع طول حديث بكلمات أثرية أكل عليها الدهر وشرب في هذا الزمان وهمس في أذن والده المليئة بالشعر:
- إذا كانت الحاجة تمدنت فهل بقيت يا حاج على عهد البلد؟
- أنت يا ابن صعاليك اليوم ستخبرني إن كنت على عهد البلد أم لا، ناولني المقشة من جنبك لأعلمك الحديث مع والدك.
أدار (رائد) رأسه من لطمة يد الحاج الثقيلة على وجهه وقال له:
- إذا كنت ستعلمني بجد، وتعلم من حرموك من البلد درساً فكل المقاومة بحاجة لمساعدة لن يحققها سواك.
وحينما سمع بالمقاومة تحامل الحاج على نفسه بضبط الأعصاب وخفض صوته وقال:
- اخفض صوتك يا بني فالحيطان لها ودان فما هي حكايتك؟
- المقاومة بحاجة لتهريب شحنة سلاح ستكون جاهزة في رفح المصرية لمقاومة الاحتلال.
أجابه الحاج بنبرة استهجان:
- وبأي صفة تتحدث إليّ؟
تفاجأ (رائد) من السؤال ووجهه تغير وبدا عليه التوتر وأجابه بكلمات خالية من المنطقية:
- بصفتي صديق لأحد رجال المقاومة من بعيد، وهو يعد بمقابل كبير من المال في حال إتمامها.
قدح الشرر من عيني الحاج الغائرتين والملتفتين بالسواد واحتج باستفزاز:
- تفو عليك يا ولد فهذا ما بقي من أبيك في كبرته، يجب عليك أن تعرف أن التجارة هام والتضحية المفروضة عليّ وعلى المقاومين على السواء هام آخر.
وفكر قليلاً ثم أردف متابعاً:
- ولكن أخبرني ومن يضمن لي رجولة وثقة صديقك هذا؟
رد (رائد) بثقة وكأنه نال الموافقة:
- أنا أضمنه يا أبي وأعرفه منذ الصغر ولن أشهد عليه إلا الصدق والشهامة والإخلاص.
نعم كان يتخيل الحاج ابنه (رائد) مهما كبر وتعلم طفل، ولكن حادثة الحاجز العسكري مع خطيبته (رندة) شهدت له بالمصداقية ورجاحة العقل فقبل بشهادته وشعر بالأمان ثم طمئنه:
- ولو أن المسألة فيها مخاطرة، ولكني سأوهب العمل لله وحده، فبلغ صديقك أن يحضر أمانته ليلة السبت المقبلة ويسلمها لأخيك (خالد) الذي سأرتب المسألة معه على العنوان الذي تعرفه وإياك أن تحدثهم عن وسيلة التهريب.
شعر (رائد) بالفخر بأبيه وتقدم نحوه بخطوات وقبَّلَ رأسه وقال:
- بارك الله لنا فيك وأطال عمرك يا حاج.
اتفق (رائد) مع (إبراهيم) على الخطة والموعد والعنوان وأبلغ الأمر للدكتور عطية الذي أسرع لترتيب تصريح من الإدارة المدنية لئلا يضيع الوقت، وهناك صادف (غريب) على مقعد الانتظار فاضطر لمبادلته أطراف الحديث في محاولة منهما لقتل ساعات الانتظار المملة.
بدأ (غريب) بالحديث:
- لأي الأمور حضرت لهنا؟
- لترتيب تصريح سفر إلى مصر لأطمئن على ابني الذي تعرض لحادثة فجائية.
- في هذه الحالة أقول يا مآسي الصدف فأنا أيضاً حضرت مضطراً من أمريكيا لوداع والدي قبل وفاته.
وتفاجأ (غريب) بطلبه لمقابلة ضابط المخابرات فدخل متوتراً:
- أهلاً وسهلاً بالمهندس (غريب).
ثم نادى مجندة ترتدي بزة عسكرية:
- أحضري مشروباً للضيف.
وعرض على (غريب) سيجارة أمريكية. تناول (غريب) السيجارة وأشعلها له ضابط المخابرات واعتذر (غريب) عن شرب أي شيء وقال:
- أنا لست ضيفاً، ولا أعرف سر استدعاءك لي فهذه ليست المرة الأولى التي أسافر فيها.
تظاهر ضابط المخابرات بضحكة مصطنعة وقال:
- أعلم.. وأعلم أيضاً أنه لم يبقّ لك من التعليم إلا فصل واحد ولكنك يا (غريب) ممنوع من السفر.
وقف (غريب) عن الكرسي الذي يجلس عليه ووضع السيجارة التي لم تنتهي في المنضدة وقال:
- لماذا وكيف وما السبب، فأنت تدمر مستقبلي وحلم أهلي وكل طوحي في الحياة، كما وإني لا أتدخل بشيء لدرجة نعتي بالانهزامي لقناعتي بعدم جدوى المقاومة...
قاطعه الضابط:
- أنا معجب بآرائك وبمستقبلك يا (غريب)، وبإمكاني الحديث مع أجهزة الأمن ومساعدتك لتكمل تعليمك وعلى حسابنا من السفر والعيش وأجرة البيت وقسط التعليم والعودة، ولا تنسى التسلية هناك مع الجميلات.
- ولكن مقابل ماذا؟
- لا تقلق يا (غريب)، فقط مقابل معلومة واحدة لا تتعدى كلمتين عن اسم منفذي العمليات العسكرية في منطقتك.
- أي تريدونني جاسوسا؟
- لا نريدك جاسوسا يا (غريب)، فالأمر لا يتعدى الدقيقة ولمرة واحدة لا غير ستضمن بها مستقبلك، ولا مين شاف ولا مين دري، أو أنك ستخسر كل شيء.
رفض (غريب) عرض رجل المخابرات الذي أوصاه بعدم التسرع في الأمر والتفكير بتأني، وإذا ما قبل العرض يأتي ثانية للإدارة المدنية ويطلب الضابط كوهين.
عاد (غريب) وهو يحمل في قلبه هماً كبيراً، وحالة غريبة من التناقض ما بين رفضه للعمالة، ورغبته في إنهاء الدراسة التي لا يمكن تحقيقها إلا بالسفر، وتمر في مخيلته المغريات الأخرى وفي النهاية عزم على الرفض.
استقبلت ممثلية المقاومة في مص الدكتور عطيه بالمزيد من الفخر والترحاب، وأطلعهم على تقارير المقاومة وأسماء الشهداء والجرحى والأسرى، وتحدث لهم عن خلية (إبراهيم) و (رائد) و(رفعت) وإنجازاتها وانتصاراتها وعن خطة تهريب الأسلحة التي حضر لترتيبها، ولم تتوانى قيادة المقاومة بتأمينها والموافقة عليها ووجدوا في نجاحها أهم إنجازات الانتفاضة وشرط تواصلها، كما ووجدوا في (رائد) شخصية مركزية على مستوى المقاومة في قطاع غزة وأوصوا الدكتور عطية به وبرفيقيه.
كانت الأيام طويلة على (رائد) الذي انتظر اشارة وصول شحنة الأسلحة لأخيه، وكان سعيداً حينما أبلغه أبوه بترتيب كل الإجراءات للتهريب مع أخيه (خالد) عبر النفق بين البيتين.
أمضى (رائد) أيامه في العبادة والصلاة وقراءة القرآن والدعاء لله بالتوفيق، وأخلص نيته لله عز وجل من أجل رفعة الدين وتحرير الوطن، وكلما ضاقت عليه الدنيا يفر إلى ربه فيطمئن.
وفي الموعد المحدد استلم (خالد) شحنة الأسلحة التي كانت كفيلة بتغطية حاجات المجاهدين الدنيا في تلك المرحلة، واتفق مع أبيه و(رائد) على موعد نقلها.
فرح (رائد) وهو يرى نجاح خطته بنفسه، وعانق والده بحرارة كلما وصل صندوقاً مقفلاً من الشحنة عب رالنفق بجهده وتعبه وعرقه المتصبب كالماء.
استدعى (رائد) صديقه (إبراهيم) لسرعة نقل الشحنة لمكان آمن غير بيتهم، الأمر الذي لم يصدقه بهذه البساطة، ومن فجر اليوم التالي كانت الشحنة كلها خارج رفح.
لم يعد الدكتور عطية إلى قطاع غزة حتى تأكد من نجاح العملية التي استوعبت الكثير من شباب المقاومة، وحملتهم من نصر إلى آخر وإلى نصر أكبر منهما.
رفض (رائد) مبدأ عرض المال كمقابل للعملية من الدكتور عطية الأمر الذي زاد إعجابه وثقته به، ولكن الدكتور أصر ألا يتنازل عن تكريم أعضاء المجموعة الثلاثة بتقديم قطعة من السلاح مع ذخيرتها لكل أخ منهم.
مرت اللحظات سعيدة على (رائد) الذي شعر بالنصر، الشيء الذي انعكس على سلوكه وحديثه فاشترى عقداً ذهبياً كتب عليه الحرف المشترك من اسمه واسم (رندة) وذهب لبيت خطيبته ليطمئن عليها وعلى دراستها.
لم يرق لـ(رائد) وجود (غريب) في بيت خالته لولا وجود (أشرف) هناك، وكانت مشاعر الغضب الممتزجة بالكراهية أشد في قلب (غريب) تجاه (رائد)، وبقدر سعادة (رندة) بهدية (رائد) كانت ردة فعل (غريب) تجاهه.
عاد (غريب) من بيت خالته منهك الأعصاب متعب ومضرب وكأنه خسر الدنيا بكل جمالها مع خسارة (رندة) واتهم (رائد) قاطعاً باختطافها منه.. هذه الزيارة أعادت لمخيلة (غريب) كل شريط الذكريات مع (رندة) منذ الطفولة فأقسم لحظتها بتقويض هذا المشروع ولو دفع مقابله ما دفع، وتذكر معلومة انتماء (رائد) لرجال المقاومة كما أخبره (أشرف)، ورأى بها فرصة العمر، باعتقال (رائد) وبالتالي إبعاده عن طريق (رندة)، بينما هو يسافر ليكمل دراسته ويحصل على الشهادة والعيش الهانئ، إذا وافق على عرض الضابط (كوهين)، ولو لمرة واحدة بالتبليغ عن (رائد).
ومع شروق الشمس قصد (غريب) الإدارة المدنية وطلب مقابلة الضابط كوهين، كان الضابط سعيداً بنجاحه في تفريغ شاب فلسطيني من محتواه الأخلاقي والوطني، وأكثر وهو يحقق نصراً لدولته المحتلة من خلال وضع يده على طرف الخيط لرجال المقاومة الذين يحرصون على السرية التامة ما أمكن ويتعاهدوا على ضبط أنفسهم حرصاً وحذراً من الذين باعوا ضمائرهم وشعبهم بثمن بخس دراهم معدودة للمحتل الذي اغتصب أرضهم وحتماً سيتخلى عنهم في حال إفلاسهم من الخدمة لينفضح أمرهم وتتكشف نواياهم السيئة، ألح الضابط على (غريب) ليطال المزيد منه حول رجال المقاومة ونشاطهم، ولكنه لم يشعره بعبء جرمه واكتفى بالسؤال:
- هل لك علم بالذين يشاركون (رائد العسقلاني) في نشاطه؟
- بالتأكيد لا أعلم، ولكنه على علاقة قوية مع نسيبه (رفعت)...
ثم أضاف وكأنه يتوسل للضابط:
- أتمنى تأجيل اعتقال (رائد) لئلا يشك أحد بي إلى ما بعد سفري.
- لك ما تطلب.
مر يومان على سفر (غريب)، ومع منتصف ليلة الجمعة، وأثناء سهرة اعتادت عليها الأسرة، فرض نظام حظر التجول على مخيم رفح والمنطقة المحيطة به، ودخلت قوة كبيرة من المشاة والجيبات العسكرية وقوات تعزيز أخرى، وحاصرت كلاً من منزل (رائد) و(رفعت)، كالكلاب المسعورة وبكل وحشية وبدون أدنى أحساس بالأخلاق أو الضوابط القانونية ولا حتى الإنسانية، اعتلى الجنود أسقف المنازل المجاورة، واقتحموا ساحة البيوت، وأرهبوا الأطفال والنساء وأجبروا الرجال على رفع الأيدي، وعصبوا أعينهم، وبعد التشخيص، اعتقلوا كلاً من (رائد) و(رفعت)، وبدأ التحقيق الميداني بالضرب والشتم والتجريح والإهانة منذ الخطوة الأولى خارج البيت وداخل السيارة العسكرية، وحين الوصول إلى مركز التحقيق أجبروهما على خلع ملابسهما وتفحصوا أجسامهما من أي إصابة، وفتحوا لكل منهما ملفاً طبياً كممارسة تقليدية دونوا فيه الاسم والسكن ورقم الهوية والوزن والطول والحالة الصحية العامة.
تفرق (رائد) عن (رفعت) في مسلخ التحقيق الذي يبدو وكأنه قطعة من الجحيم نزلت على الأرض، أسرى مشبوحين بالسلاسل، وآخرين مقيدي الأيدي والأرجل بأوضاع مختلفة، وسط رائحة نتنة كريهة وأجواء مختلطة بالرعب والرهبة، وصيحات ألم متصاعدة من هنا وهناك جراء التعذيب الشديد.
بدأ التحقيق مع (رائد) وبعت بموجه عالية من العنف والإرهاب والتهديد في محاولة لكسر معنوياتهما ووجهوا لهما اتهامات عامة وقضايا لا تمت بصلة إليهما، كانت كل دقيقة في ذاك الواقع المرعب ثقيلة وبتحامل على الذات وبصبر صعب تمر فتنقل الصديقان من محطة إلى أخرى بين ألوان العذاب.
طلب المحقق وهو ضابط مخابرات إسرائيلي استدعاء (رائد) الذي جلس متواصلاً ثماني ساعات، مقيد الأيدي من خلف الظهر على كرسي من الحديد لا يزيد طوله عن نصف متر مثبت بالأرض، وحينما دخل وعلى وجهه كيس من القماش الخشن يمنع التنفس إلا بصعوبة مختلطة مع رائحة متعفنة في داخله وبنبرة قوية تخفي في داخلها جبناً قال الضابط:
- متى ستريح نفسك وتعترف مثل صديقك (رفعت)، فلن تجني إلا المعاناة والألم ولن نتركك حتى تضع هنا كل ما في جعبتك وقد تأخذ يوماً فتكسب صمتك وتختصر عذاباتك أو تبقى أشد والنهاية حتماً واحدة.
سكت (رائد) عن الكلام فقد كانت المصلحة الوطنية تتطلب صبر عشرة أيام على الأقل لترتيب إجراءات سفر الدكتور عطية والذي سيخرج من فلسطين ويصطحب معه سر العمل العسكري وكل الاتصالات مع الخلايا على طول قطاع غزة.
تدفق الدم في عروق الضابط الأشقر ذي العينين الزرقاوين غضباً من هذا السكوت وأمر السجان بوضعه في غرفة الثلاجة وإحضار (رفعت) الذي دخل بقصر قامته ونحافة جسمه وهو يجد سروالاً طويلاً أزرق تسلمه في بداية التحقيق على الأرض تحت قدميه وبنفس النبرة والأسلوب بدأ المحقق بكلامه:
- (رائد) اعترف وكل شيء قمتم به سوياً يا (رفعت) وأنت الآن فقط تجني على نفسك فتتعب وتتعبنا معك ليس إلا لتصنع من نفسك بطلاً وتتباهى أمام السجناء الأمنيين في السجن بصبرك وتحملك ـ لذا لا تحلم بذلك ولن تخرج من هنا إلا جثة، أو وبصمتك على اعترافاتك على لائحة اتهاماتك. أنت متهم بالتنظيم والتدريب ومهاجمة سيارات عسكرية ومستوطنين وحواجز ونقاط مراقبة ولذا أخبرني يا بطل عنها جميعاً واحدة.. واحدة.
رد (رفعت) على المحقق بسخرية:
- لو أن كل شاب تعتقلونه وتتهمونه بكل هذه التهم وأنتم على يقين بأنه فعلها لتحررت فلسطين قبل سنين، أنا لست بطلاً وليس لي أي دخل في كل ما تقول.
- اسمع يا (رفعت) لو أخذنا بحجة كل معتقل أنه بريء من كل شيء لكذبنا أنفسنا وواقعنا بوجود شيء اسمه انتفاضة، أم أنك ستقنعني أن القنابل تنزل على آلياتنا العسكرية من السماء؟
اقترب المحقق أكثر إلى (رفعت) ولكمه بقوة في وجهه وثانية في بطنه وسابعة وتلاها بالمزيد من ضربات البسطار ذي المقدمة الحديدية في كل أنحاء جسمه، وأضاف وهو يلهث تعباً ويتصبب عرقاً:
- أعدك بأنك ستعترف.
ثم نادى على السجان وطلب أن ينقله إلى حوض الماء لغمر رأسه فيه حتى يعترف.
علم (إبراهيم) باعتقال صاحبيه، ورغم الخطورة التي تقع عليه خشية اعترافهما تحت سوط العذاب فكان همه الدكتور عطية فذهب إليه وحذره.
أسف الدكتور عطية على اعتقال هذه النخبة الممتازة من شباب المقاومة، ولم يكن أمامه إلا ترك غزة والعودة لمصر بعد أن استكمل رسالته، وكان على يقين أن المقاومة بلغت من قدرتها ما يجعلها تستغني عنه، فأوصى (إبراهيم) بنفسه فقد يطاله الدور إن لم يحذر وكلفه بمسئولية المقاومة، والتواصل مع الخارج وأطلعه على بعض الأسماء والقضايا الهامة لمتابعتها بعد سفره.
عاش (إبراهيم) حياته مطارداً في بيوت مهجورة وفي الخلاء تحت الأشجار المتشابكة في البيارات، فلم يذق طعم الراحة أو الاستقرار واكتفى بالكفاف والقليل من الزاد والملبس، وحمل هم صديقيه المعذبين في زنازين الاحتلال.
عشرون يوماً مرت على (رائد) و(رفعت)، كعشرين عام في الزنزانة الصغيرة الضيقة والمعتمة الفاقدة للتهوية بالجدران السوداء،وقليل من البطانيات القديمة المهترئة والمبللة، التي يفترشها مع خمسة مناضلين يلتقيهم لأول مرة من مناطق مختلفة. فيتقاسمون لقمة العيش بدون شهية إلا للحياة ويضطرون لقضاء حاجتهم في دلو مكشوف في الزاوية.
لقد صبر المحقق الذي وصلته المعلومة المؤكدة على (رائد)، فضاعف التحقيق الجسدي والضغط النفسي عليه بتهديده باعتقال خطيبته وإبعاده إلى لبنان.
كان التهديد بالإبعاد أهون على نفس (رائد) رغم قسوته، ولكن (رندة) كانت الحلقة الأضعف في صمود (رائد) ليس إلا لمكانتها وصدقه معها وتحمل كل شيء ما لم تمس بسوء.
نُقل (رفعت) إلى غرف العصافير بخطة دنيئة أفشلها لهم (إبراهيم) أثناء دروس التوعية الأمنية التي أوصى بها أصحابه حين الحديث عن أساليب التحقيق في السجون وما هي إلا أيام ارتاح فيها (رفعت) من مسلخ التحقيق المتواصل ليل نهار ولم يُفاجأ من محاولات يائسة وأساليب مكشوفة لمجموعة ساقطة من العملاء تظاهرت بالوطنية لخداعه لمصارحتهم بنشاطه وتحركاته وأسماء أصدقاءه في الخارج بحجة تحذيرهم من إمكانية الاعتقال وحينما يئسوا من مكانية اعترافه أعادته المخابرات ثانية إلى مسلخ التحقيق.
لم يترك الحاج (أبو خالد) ابنه وصهره في محنتهم، فوكل لهم محاميا لم يستطع زياراتهم في الأيام الأولى من الاعتقال بحجج أمنية، وترددت (رندة) لزيارة (نسرين) التي كانت تطمئنها على (رائد) في الوقت الذي كانت فيه أمها تزيد من همها وتذكرها بسوء حظها الذي اختارته بأيديها حينما فضلت (رائد) على ابن خالتها المهندس (غريب).
أما (إبراهيم) فكان ما بين الاستمرار في المقاومة في غياب الدكتور عطية واعتقال أعز الناس على قلبه والاجتماع خفية بـ(أبي خالد) للاطمئنان عليهم.
ضاعف ضباط المخابرات جهودهم، وباتوا يفكرون في أساليب جديدة للتعامل مع صمود (رائد) الذي خصته المعلومة، وبعد الفجر على غير عادة سمع (رائد) صوت خطوات سجان تقترب من باب الزنزانة وارتفع صوت دقات المفاتيح المزعجة وهو يجربها الواحد تلو الآخر ثم تفوه باسم (رائد) من بين الأسرى الآخرين بصحبته، فدعوا له بالصمود والسلامة بعد أن اطمأن كل مناضل منهم بأنه سيتأخر ساعات لصالحه للبدء بجولات جديدة من التحقيق.
وبسبب كيس التحقيق على الرأس اصطدم (رائد) بشخص كان يتقدمه لسيارة البوصطة ( المخصصة لنقل المعتقلين ) وهي سيارة مغلقة الجوانب بصفائح حديدية مثقوبة بثقب صغيرة خارج زجاج الشبابيك فاعتذر منه:
- آسف.
كان هذا الشخص هو (رفعت) الذي ما أن سمع صوت (رائد) الذي لم يلتقيه من بداية التحقيق وبعفوية شديدة استدار وعانقه قائلاً:
- أنا (رفعت) يا (رائد)، كيف حالك، وماذا حدث معك.
شعر (رائد) بالأمان وهو يسمع صوت صديقه (رفعت) للمرة الأولى في هذه المحنة ورد عليه:
- أنا بخير يا (رفعت).. طمئني عليك.
تدخل السجان بعنف لقطع عناقهما وحديثهما، وأحكم قيودهما ووضع كلاً منهما في زاوية داخل البوصطة وجلس عدد من السجانين بينهما. وفي منتصف الطريق بين سجن غزة وعسقلان وقفت البوصطة، وطلب الضابط من السجانين النزول لتغيير أحد إطارات السيارة الذي أعطب، عاد السجان لداخل البوصطة وبنبرة تهديد قوية طلب من (رائد) و(رفعت) عدم الحديث معاً حتى يتم تغيير الإطار وتركهما لوحدهما وأقفل عليهما الباب ونزل.
اطمئن الصديقان لشعورهما بارتفاع السيارة وفك الإطار وتركيب آخر وبدأ (رفعت) بالحديث:
- هل حقاً يا (رائد) اعترفت عليّ وعلى كل شيء كما أخبرني الضابط؟
لم يكن الوقت مناسباً للعتاب على صيغة السؤال فقال (رائد):



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نبع الوفا
مراقبة عامة
مراقبة عامة
avatar

الجزائر















انثى
دعاء : اللهم ارحمنا
عدد المساهمات : 2526
نقاط : 2869
تاريخ الميلاد : 27/06/2000
تاريخ التسجيل : 10/03/2012
العمر : 17
الموقع : كلنا محبي نشيد
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : COoL! Very Very cOol!

مُساهمةموضوع: رد: رواية لم يموت الحلم ج2   الإثنين مارس 18, 2013 7:40 am

أإسـ عٍ ـد الله أإأوٍقـآتَكُـ بكُـل خَ ـيرٍ

دآإئمـاَ تَـبهَـرٍيننآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ

أإلتي تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ أإلآبدآع وٍأإلـتَمـيُزٍ

لك الشكر من كل قلبي


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الــــوفــا طبعـــي
كبار الشخصيات
كبار الشخصيات
avatar

فلسطين








انثى
دعاء : اللهم ارحمنا
عدد المساهمات : 2122
نقاط : 2342
تاريخ الميلاد : 14/04/1996
تاريخ التسجيل : 30/06/2012
العمر : 21
الموقع : كلنا نحب النشيد
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: رد: رواية لم يموت الحلم ج2   الإثنين مارس 18, 2013 11:45 am

وجوووووووووووووودك هو اصل التميز اخيتي
اشكر لكِ هذا الرد الرائع
وانرتتتتِ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نبع الوفا
مراقبة عامة
مراقبة عامة
avatar

الجزائر















انثى
دعاء : اللهم ارحمنا
عدد المساهمات : 2526
نقاط : 2869
تاريخ الميلاد : 27/06/2000
تاريخ التسجيل : 10/03/2012
العمر : 17
الموقع : كلنا محبي نشيد
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : COoL! Very Very cOol!

مُساهمةموضوع: رد: رواية لم يموت الحلم ج2   الأربعاء مارس 20, 2013 7:29 pm

لا شكر على واجب

يا غالية

لازم اجاوب على كل مواضيعكم

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الــــوفــا طبعـــي
كبار الشخصيات
كبار الشخصيات
avatar

فلسطين








انثى
دعاء : اللهم ارحمنا
عدد المساهمات : 2122
نقاط : 2342
تاريخ الميلاد : 14/04/1996
تاريخ التسجيل : 30/06/2012
العمر : 21
الموقع : كلنا نحب النشيد
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: رد: رواية لم يموت الحلم ج2   الخميس مارس 21, 2013 12:33 pm

الله يسعدك اكيد لنا نشارك حنزيد التفاعل


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رواية لم يموت الحلم ج2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلنا محبي نشيد :: مكتبة المنتدى-
انتقل الى:  

جميع الحقوق محفوظة لـمنتدى كلنا محبي نشيد
 Powered by ®praoudofislam.ba7r.org
حقوق الطبع والنشر©2013 - 2012